صادق جلال العظم

نجلاء حمادة

كان صادق جلال العظم ماركسيًا يحمل همًا قوميًا. ولو حاسبناه كفيلسوف طالما أماط اللثام عن ضعف الانسجام الفكري عند فلاسفة وكتّاب آخرين، لوجدناه في معظم مواقفه وحواراته ونضاله منسجمًا مع كونه فيلسوفًا وماركسيًا، برغم أنه كان يحيد عن الماركسية التي لا تعترف بالقوميات أو الأوطان عندما كان يغلبه الشعور القومي أو التحيّز لما يرى فيه مصلحة وطنية ما.
ففي غالبية ما نعرفه عن مسار حياة صادق العظم كما عن كتاباته، تبدو الماركسية العقيدة السائدة. وانسجامًا مع اعتبار الماركسية فكرًا يفرض أسلوب حياة، لم يعش العظم إلا من عمله في التعليم والكتابة، برغم أنه ابن عائلة إقطاعية موسرة. وأذكر من أيام الجامعة أنه عندما عبّر محاضر إنكليزي، اسمه كولن ويلسون، عن اكتشافه أن ستة في المئة فقط من كل جماعة من البشر يمتازون بملكة القيادة، استشاط العظم غضبًا من اعتبار بعض الناس يُفضّلون عن البعض الآخر بالفطرة، لأن عقيدته الماركسية ترفض الإقرار بتفاوت لا يرجع إلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
ومن المنطلق نفسه كان العظم يرفض النظرة المؤبلسة لليهود. ففي «دراسات يسارية حول القضية الفلسطينية» عزا الصفات السلبية التي تناط بهم إلى أسباب اقتصادية كالتي أُنيطت بسواهم من التجار والأغراب، كالسوريين والفينيقيين، قائلاً إن الناس يمتعضون ممّن يجنون ثرواتهم من التجارة والصيرفة، أو أي أعمال غير منتجة، خاصة عندما يكون هؤلاء أغرابًا. ومن المنطلق عينه رفض العظم الاستشراق المعكوس عند أدونيس وسواه، ممّن يقولون بتفوّق الشرق على الغرب، وأرجع مساندة الاستعمار الغربي للصهيونية وترجيح الإنكليز لوعد بلفور على وعد مكماهون للشريف حسين لمصالح اقتصادية وسياسية محضة. فهو وجد لكل هذه تعليلاً من الديالكتيكية التي تصنع التاريخ وتحكمها الحتمية الاقتصادية. فهذه القناعة لا تترك مجالاً للملامة ولا لأي نوع من أنواع العنصريّة. فكان العظم يرفض كل نظرة دونية أو ممجدة لليهود أو العرب أو الشرق أو الغرب. ورفضه هذا لم يكن فقط رفضًا للعنصرية، بل كان قبل ذلك رفضًا لتمييز ينتهي إلى إبعاد الفئات المتعارِضة عن بعضها بحيث يعيق تشابكها التنافسي المولّد للتطوّر التاريخي، وفق ما يراه ماركس (وهيغل).
نقد الاستشراق
وبسبب اعتناقه لهذه الفلسفة الماركسية للتاريخ، نجد أن أعمال العظم تحفل بالخصام والمناكفة لدرجة أبعد مما يتطلّبه الجدل الفلسفي. وكثير من عراكات العظم الكتابية تحمل صبغة التشابك الذي يحب الفتيان في أوج حيويتهم الانخراط فيه، وكأن نقيضها، في نظره، هو التقوقع والجمود المبطئان لعجلة التاريخ. من هنا كانت أكثر مناكفات العظم حدة موجّهة ضد الآراء والمواقف التي تؤدي إلى جمود سببه فصل الأضداد عن بعضها البعض.
فمن هذا المنطلق ينتقد العظم تقسيم إدوار سعيد العالم إلى «شرق» و «غرب» وما يستتبعه هذا التقسيم من نظرية في المعرفة تدّعي ذاتية نسبية شبه مطلقة، تحول دون فهم كل قطب للقطب الآخر. ويلاحظ العظم أن هذه النظرية تبرّر ما ينتقده سعيد من سوء تصوير الغربيين للشرق وللإسلام. فإن كان من الطبيعي أن يسيء كل قطب فهم الآخر، تكون كيفية تصوير مفكري الغرب وكتاّبه للشرق والإسلام بشكل يقلّل من شأنهما أمرًا مفهومًا ومتوقعًا.
وسبب حدّة العظم في نقده للاستشراق تنبع من تصنيف إدوار سعيد الفاصل بين الحضارات أكثر مما تنبثق عمّا يعتبره ثغرات في منطق سعيد. فهذا الفصل لا يخالف فقط المبدأ الماركسي حول المسار الديالكتيكي للتاريخ والنظرة الماركسية المُعتبِرة أن تعارض الغايات والخيارات يكون بين الطبقات الاجتماعية لا بين الشعوب، بل يضر بالمصلحة القومية التي يراها العظم في الاستفادة من تقدّم الغرب وليس بالقطيعة معه.
وموقف العظم الأخير ينبعث عن الغيرة القومية على مصالح أهله أكثر ممّا ينبثق عن الالتزام بالفكر الماركسي. ففي نظره، يؤدي كل من «الاستشراق» والاستشراق المعكوس إلى الانغلاق عن الآخر، بينما ما تحتاجه المجتمعات العربية هو الانفتاح على من سبقوها علميًا وثقافيًا، حتى يتسنّى لها اللحاق بركب الحداثة والتطوّر.
وفي حمأة حماسه القومي، يبتعد العظم في «دراسات في الفلسفة الغربية الحديثة» عن الماركسية، فينفي كون الشرق والغرب ضدّان، واصفًا العلاقة بينهما بأنها «امتداديّة وتمدديّة»، ذاكرًا أن أديانهما واحدة ومورد فلسفاتهم الأول، أي الفلسفة اليونانية، واحد، معتبرًا أن من يتّهم المثقفين العرب من ثوريين واشتراكيين وإصلاحيين بالتقليد الأعمى لأوروبا يكون في صف أعداء الأمة (أنظر ذهنية التحريم، 187 - 188).
مناكفة الناصريين والوسطيين
وللعظم عركة مع الناصريين ينطلق فيها من فكر ماركسي يلوّنه الهم القومي. فلأنه يرى التاريخ متحوّلًا دائمًا، يردّ على اتّهام سهيل إدريس له بأنه «معاد أشدّ العداء لثورة 23 يوليو» بأنه مع تلك الثورة في زمنها لكنه معارض لها في موقفها القابل للحل السلمي بعد حرب 1967. فهو يعتبر أن الحركة التي كانت (نسبيًا) ثورية في 1952 غدت عبئًا على الحركة الثورية التي تمثلها المقاومة الفلسطينية الرافضة للحل السلمي.
ويردّ العظم على انتقاد الناصري الآخر مطاع الصفدي له لتفريقه بين ثورة 23 يوليو والثورة الفلسطينية، بسبب قبول الأولى بالحل السلمي ورفض الثانية لهذا الحل، قائلاً إن ما يعتبره الصفدي أمرًا عرضيًا هو في الواقع مرآة لاختلافات بنيوية بين الثورتين، نابعة من «التركيب الطبقي لنظام الثورة، ونوعية «الأيديولوجية» الوسطية والنزعة التجريبية الفجة التي بدأت بها ثورة 23 يوليو ولم تتمكن من الخروج من دوامتها، ومنشأها الانقلابي العسكري الذي بقي ملازمًا لها برغم كل المظاهر الخارجية التي تحاول الإيحاء بالعكس.» (دراسات يسارية، 201).
وفي معارضته لوسطية الناصرية يرجع العظم إلى منطلقه الماركسي الرافض لكل وسطية لأنها تعيق التغيير الثوري الذي لا يحصل إلا بفضل التشابك بين أضداد مطلقة. ومن الصعب التكهن في ما إذا كانت هزيمة 1967 (سبب قومي) أو وسطية الناصرية (سبب ماركسي) هي أساس انتقاد العظم لثورة 23 يوليو.
والوسطية هي من أهم ما يأخذه العظم على أدونيس، متهمًا إياه بأن نظريته المبهمة حول الإبداع الموازي للحداثة تجمع بين الإبداع الدنيوي أو العلمي وبين النبوة. فيقول العظم عن «بيان الحداثة» لأدونيس «لا شك أننا سنجد فيه ما يكفي من الهلامية والبراعة في التوليف والصياغة بما يسمح لأدونيس، في الوقت نفسه، أن يخاطب نقاده من أصحاب الموقع الدنيوي المتحوّل بنصوص ترضيهم وتبين لهم انه حليفهم من ناحية أولى، وأن يخاطب، كذلك، نقاده من أصحاب الموقع السرمدي الثابت بنصوص ترضيهم أيضًا وتبين لهم أنه حليفهم، من ناحية ثانية» (ذهنية التحريم، 79). وبالنسبة للعظم، الجمع بين عقلانية العلم وعاطفية الدين ينطوي على إبهام لا تتقبّله الفلسفة (أنظر ما يقوله العظم عن وليم جايمس في نقد الفكر الديني، 74-77)، بالإضافة إلى اشتماله على «ميوعة» وسطية يصعب معها اتّخاذ المواقف الواضحة أو القيام بعمل ثوري.
السياسة أوّلاً أم الأيديولوجيا؟
وتظهر النزعة القومية في أعمال صادق العظم في كونه عندما ينتقد كتّابًا غربيين ينتقد فلاسفة أمثال برغسون ووايتهد وكانط، لكنه عندما «يعارك» كتابًا عربًا يستقصد الأكثر تأثيرًا في المجتمع وفي تكوين الرأي العام حتى إن لم يكونوا فلاسفة، كإدوار سعيد وأدونيس والناصريين و «الإخوان المسلمين». فيبدو أن همه في الحال الثاني قوميًا أكثر منه فلسفيًا. لكن تكوينه الفلسفي يؤدي إلى نقده مَن هم مِن خارج الفلسفة، بالمعنى الدقيق للكلمة، وكأنهم من بناة الأنظمة الفلسفية المتكاملة. فيلوم إدوار سعيد على انتقاد المستشرقين على سلوك يعتبره وصف سعيد للمعرفة طبيعيًا ومتوقعًا، ويأخذ على أدونيس الانتقال من الإلحاد إلى مساندة ثورة الخميني. فهل الأديب وكاتب الرأي مطالبون بانسجام منطقي وفكري كالذي على الفلاسفة التقيّد به؟ هذا، برغم أن العظم نفسه يورد في معرض دفاعه عن سلمان رشدي قول قدامه بن جعفر عن الشاعر إن «لا ضير عليه أن يناقض نفسه في مناسبتين مختلفتين» (ذهنية التحريم، 176). وهل بقي العظم نفسه على ما كان عليه في السابق من ماركسية صرفة؟
ففي مقابلة أجرتها معه علياء الأتاسي في 22/4/2013 في إطار «الحوار المتمدن»، بدا العظم وكأنه يعيد النظر في بعض قناعاته الماركسية، قائلاً إن اليسارية خط دفاع أول انكفأ عنه معظم اليساريين إلى خط دفاع ثان هو حقوق الإنسان بصفة عامة (وكان العظم عضوًا في «المنظمة السورية لحقوق الإنسان»). وفي مراجعة العظم في تلك المقابلة لموقفه الأيديولوجي السابق صرّح أنه لا يرى البديل عن الاستبداد في بلده إلا الفوضى، وذكر أن الحراك الشعبي الأخير حمله على مساندة خيار ثالث ينسجم مع الليبرالية أو حتى الأصولية. فعندما يذكر العظم، في المقابلة نفسها، قول الغنوشي: «اخترنا السياسة وليس الأيديولوجيا»، يرى القارئ رجوعًا عن الماركسية التي لا تتقبّل الموقف العقائدي الذي لا يعيشه صاحبه في مجمل مواقفه. وعندما يتكلّم العظم في المقابلة نفسها عن «المقاتلين السنة» بوصفهم «أم الصبي»، ويتذكر القارئ نقد العظم لصحوة أدونيس الشيعية عقب ثورة الخميني، لا يجد مندوحة من التساؤل إن كان العظم يمرّ بـ «صحوة» مشــــابهة للتي انتقدها في أدونيس. ولا بد أن يتبع هذا التساؤلَ تساؤلٌ عن إلحــــاد كل من الشاعر أدونيس والفيلسوف العظم الذي أعــــلنا عنه مرارًا، فلعل إلحادهما كان فكرة أعجبتهما في شــــبابهما أكثر منه عقيدة ثابتة اعتنقاها طوال حياتهما.
وممّا تقدّم، يبدو صادق العظم فيلسوفًا ماركسيًا أبدع في استبدال البعد الطبقي العابر للوطنيات والقوميات عند ماركس بانهماك لا ينفي العدالة الاجتماعية، ولكنه ينحو بشكل أكثر مباشرة وأكثر حيوية نحو البعد القومي وما يتطلّبه هذا البعد في الظروف العربية الراهنة. وفي رأيي، ان بعــــض التغيير وبعض العاطفية في ما اتخذه العظم مؤخرًا من مواقف، مدفوعًا بقلق قومي، يجعلانه أكـثر إنسانية وأكثر تاريخية، حتى إن لم نوافقه على مواقفه. أما الثبات الفلسفي مئة بالمئة، فلعل من يدّعيه يصحّ فيه ما قيل عن راقص لا يدعي أنه قادر على القفز عاليًا بل إنه قادر على الطيران.
شاركه على جوجل بلس

عن الكاتب مجلة منبر الفكر

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيس بوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق