صعود روسيا نحو القُطبية ... عبد الستار قاسم

روسيا تتنفّس قوة وهي تمارس نشاطاتها العسكرية في سوريا والبحر المتوسّط براحة وطمأنينة، ويبدو أنها مُصمّمة على استعادة مكانة الاتّحاد السوفياتي المُنهار على الساحة الدولية إنما بعيداً عن الأيديولوجيات. منطقها الخاص بالقانون الدولي وترتيب العلاقات الدولية قوي، واستعراضها للقوة العسكرية والمادية المُساندة لقوة المنطق واضحة، ورغبتها في التحدّي مرسومة في خطواتها العملية بخاصة في سلوكها في الأمم المتحدة والمؤتمرات الدولية.


روسيا قادرة على شقّ طريقها نحو إثبات الذات والهيبة بفضل قدراتها الكبيرة والمتنوّعة


عبد الستار قاسمعبد الستار قاسم


د. عبد الستار قاسم، أكاديمي ومفكر فلسطيني، كتب ٢٥ كتاباً في السياسة والتاريخ كما نشرت له عشرات المقالات والدراسات في الصحف والدوريات العربية.


روسيا تتنفّس قوة وهي تمارس نشاطاتها العسكرية في سوريا والبحر المتوسّط براحة وطمأنينة، ويبدو أنها مُصمّمة على استعادة مكانة الاتّحاد السوفياتي المُنهار على الساحة الدولية إنما بعيداً عن الأيديولوجيات. منطقها الخاص بالقانون الدولي وترتيب العلاقات الدولية قوي، واستعراضها للقوة العسكرية والمادية المُساندة لقوة المنطق واضحة، ورغبتها في التحدّي مرسومة في خطواتها العملية بخاصة في سلوكها في الأمم المتحدة والمؤتمرات الدولية.
هناك مَن يُرحّب بظهور روسيا القوي على الساحة الدولية وأخذ دورها المُتناسب مع قدراتها مثل بعض البلدان العربية ودول أمريكا اللاتينية، وهناك مَن يسوؤه ما يرى من نشاط روسي مُتزايد على الساحة الدولية مثل أمريكا وأغلب الدول الأوروبية. وبغضّ النظر عن المُرحّبين والكارهين، روسيا قادرة على شقّ طريقها نحو إثبات الذات والهيبة بفضل قدراتها الكبيرة والمتنوّعة بخاصةٍ من الناحية العسكرية. وهي تُثبت هذه القدرة الآن وبصورة جلّية في سوريا من حيث أنها تتّخذ قراراتها من دون أن تُدير رأسها إلى الوراء لتسمع صُراخ الرافضين والمُنتقدين والمُتّهمين.

روسيا بعد الاستضعاف


روسيا قد أمسكت بزِمام أمورها جيّداً، وهي قادرة على امتصاص مختلف الضغوط والاندفاع نحو أهدافها


حشر أهل الغرب روسيا في الزاوية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وعملوا على إذلالها والتطاول عليها عسى أن يُذيبوا قوتها ويُحاصروا مُقدّراتها فتسهل السيطرة عليها وضمّها إلى كوكبهم الخاص، فتتحوّل إلى مُجرّد أداة بيد الاستعمار الغربي بخاصة الاستعمار الأمريكي. حاصروها اقتصادياً من خلال الفساد الذي انتشر في أرجائها ومن خلال سطوة أصحاب الثروات الضخمة الذين عبثوا بالاقتصاد ليكونوا أكثر قوة من الدولة ذاتها، ونشروا فيها المفاسد الاجتماعية والأمراض الأخلاقية إلى حد نشر العصابات الإجرامية التي أخذت تُسيطر على الشارع الروسي، وتقضي تدريجاً على الأمن المدني الروسي. وأهانوا روسيا عندما هاجموا صربيا وقطعوا أوصالها من دون أن تكون روسيا قادرة على تقديم أيّ دعم ٍملموس ٍلأصدقائها الصرب، ودعموا الشركات الاستثمارية الكبرى من أجل التلاعُب بمستقبل الشعب الروسي وشلّ قدرته على تحقيق الانطلاق الاقتصادي نحو الاعتماد على الذات.

لم يكن الرئيس الروسي يالتسين بعيداً عن المشهد إما تآمراً أو عجزاً، وفتح أبواباً واسعة أمام الاستعمار الغربي لإذلال الدولة والشعب. لكن عهد الرئيس بوتين أخذ يختلف تدريجاً تمهيداً للإمساك على الجمر والخروج من أزمات روسيا المُتنوّعة نحو إثبات قُدُرات الدولة داخلياً وخارجياً. وواضح الآن أن روسيا قد أمسكت بزِمام أمورها جيّداً، وهي قادرة على امتصاص مختلف الضغوط والاندفاع نحو أهدافها على الرُغم من كل العراقيل التي يضعها أهل الغرب أمامها.

التدرّج نحو القُطبية


روسيا قادرة على سحق العالم نووياً لكن هذا خارج عقيدتها العسكرية النووية


قبل الاسترسال، أرى ضرورة توضيح الفرق بين الدولة العُظمى والدولة القُطبية والدولة المُحترمة. من الصعب تحديد ما هي الدولة العُظمى، لكنه من الممكن الحديث عن مقوّمات لا بدّ من توفّرها لكي تكون الدولة عُظمى: المساحة الجغرافية وعدد السكان؛ الموارد الاقتصادية والقدرة على استغلالها؛ الاستقرار السياسي وشعور الناس بالعدل والاطمئنان؛ القدرة العلمية والتقنية؛ القدرة العسكرية والقدرة في النهاية على التأثير في السياسة العالمية والمساهمة في البحث عن حلول للمشاكل العالمية، والمساهمة في السلم العالمي والتقدّم الحضاري والإنساني.

وعندما نتحدّث عن القُطبية نعني أن الدولة عُظمى، ولكنها راغبة في أو قادرة على تحدّي القُطب أو الأقطاب الأخرى وفرض سياساتها أو رؤيتها ولو جزئياً في ما يتعلّق بنزاعات إقليمية، أو قرارات دولية، أو كبح جماح الأطراف الأخرى والحدّ من سيطرتها وهيمنتها على العالم إلى حدٍ كبيرٍ. القُطبية تعني القُدرة على الاستقطاب، وتكوين مركز قوة له أفلاك ومؤيّدون ومؤمنون بما يطرح، وهي تتضمّن طاقات عسكرية واقتصادية رادِعة وكافية للاستمرار في التحدّي. وهنا يجب التمييز بين القُطبية العالمية والقُطبية الإقليمية من حيث أن القُطبية العالمية تعني القُدرة على الاستقطاب والتأثير في مختلف أنحاء العالم، بينما القُطبية الإقليمية محصورة في إقليم مُعيّن مثل شرق آسيا أو أمريكا اللاتينية أو المنطقة العربية الإسلامية. إسرائيل مثلاً قُطب إقليمي، وكذلك كوريا الشمالية وجمهورية جنوب أفريقيا. من الممكن ردع القُطب الإقليمي من قِبَل قوى أخرى، لكن القُطب العالمي لا يردعه إلا قُطب عالمي آخر أو مجموعة دول قوية.

أما الدولة المُحترمة فهي التي تكتفي بحماية ذاتها وحماية سيادتها ولديها إمكانيّات وقُدُرات لا تسمح للآخرين بتجاوز مصالحها واهتماماتها أو التطاول عليها. إنها دولة ذات قُدرة عالية على الاعتماد على نفسها في مختلف المجالات من دون أن تعزل نفسها عن العالم، ومُتطوّرة علمياً وتقنياً، وشعبها يتمتّع بحريّة كافية تُمكّنه من الإبداع واستيعاب ما يدور حوله بإرادة قوية يعتمد فيها على نفسه، والدولة تملك قُدرة على الرّدع العسكري. لكن مثل هذه الدولة لا أطماع لديها خارج حدودها وإنما تحرص على مصالحها.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، روسيا عانت الكثير وفقدت المكانة التي تمتّع بها الاتحاد السوفياتي. روسيا فقدت قُطبية السوفيات، وفقدت احترامها على الساحة الدولية إلى درجة حصول حرب على حدودها وضدّ أعزّ أصدقائها في صربيا ولم تستطع تحريك ساكن. لقد أُهينت روسيا كثيراً على الرُغم من أنها بقيت تملك أكبر مخزون من الأسلحة النووية في العالم، وتعرّضت لسياسة أطلسية أمريكية من أجل تجريدها من طاقاتها التي تؤهّلها للعودة إلى المسرح العالمي. الرئيس يالتسين لم يكترث كثيراً بمستقبل بلاده، لكن فلاديمير بوتين أخذ يعمل نحو إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وما زالت عَجَلة الخروج من القبو دائرة حتى الآن.

روسيا تملك مقومات لتكون دولة عُظمى من حيث: أهميّتها السياسية وهي دولة عضو دائم في مجلس الأمن، وقُدرتها الفكرية والعلمية وتأثيرها في الشؤون العالمية، موقعها الجغرافي ومساحتها الجغرافية الشاسعة، والمواد الخام التي تملكها بخاصة مصادر الطاقة مثل النفط والغاز وقُدرتها النووية، وهي بالتأكيد دولة عُظمى نووياً وتستطيع تقطيع أوصال الولايات المتحدة، وطاقة أبنائها وقُدرتها على العمل وطاقتها العلمية التقنية الظاهرة والكامنة. وروسيا لديها عدد هائل من العُلماء في مختلف المجالات والفنيين والاختصاصيين، وهي دولة صناعية ودخلت جزئياً في مرحلة ما بعد الصناعة. هنا أناقش مسألتين تشكّلان أساساً قوياً لقُدرة روسيا وهما عنصر الطاقة والقوة العسكرية.

روسيا تملك من مصادر الطاقة ما يؤهّلها للتأثير على المستوى الصناعي في العديد من الدول الصناعية. هناك دولٌ كثيرة تُنتج الغاز والنفط، لكن روسيا تستطيع هزّ الأسواق العالمية والتأثير على رتابة المسيرة الاقتصادية العالمية إذا أرادت ذلك من خلال سوق النفط والغاز. هناك مأخذ كبير على الاقتصاد الروسي في أن حوالى 65% من الدخل القومي يتأتّى من النفط والغاز، لكن الحكومة الروسية تعمل منذ سنوات على الخروج من هذا المأخذ بتنويع مصادر دخل البلاد من قنوات أخرى مثل تطوير الأسلحة التقليدية وتطوير القاعدة الزراعية. سلاح الطاقة لم تستعمله روسيا حتى الآن، لكنها مُمسكة به وتستطيع أن تؤثّر على مختلف الدول التي تُنازعها وتُحاصرها من خلاله.

أما القدرة العسكرية الروسية فمشهود لها بخاصة في ما يتعلّق بالقُدرة النووية. روسيا قادرة على سحق العالم نووياً لكن هذا خارج عقيدتها العسكرية النووية. المهم أن خصومها يُدركون هذه الحقيقة، وهي تُشكّل رادعاً قوياً لهم. السلاح الروسي التقليدي ليس مُتطوّراً كالسلاح الأمريكي. الطائرات الأمريكية مُتفوّقة على الطائرات الحربية الروسية، وكذلك سلاح الدبّابات والصواريخ المُوجّهة، لكن روسيا مُتفوّقة بالأسلحة المُضادّة للتقنية التسليحية المُتطوّرة. أمريكا والغرب يمتلكان سلاحاً جويّاً مُتفوّقاً، لكنه بلا فائدة عندما تواجهه الصواريخ الروسية المُضادّة للطائرات. ويُمكن تعطيل السلاح البرّي من خلال الصواريخ المُضادّة للدروع والدبّابات كما حصل مع الكيان الصهيوني في حرب عام 2006. تعطّل سلاح دبّابات الصهاينة بسبب قُدرة حزب الله على اصطياد الدبّابات وتدميرها بصواريخ خارِقة.

الأيديولوجية ورفع الظُلم عن الأمم

روسيا تعتبر أن التجبُّر الأمريكي في العالم قد اجتاز كل الحدود


روسيا لا تتحرّك وفق أيديولوجية مُعينة، ولا تحمل عقيدة اجتماعية اقتصادية تريد أن تفرضها على العالم أو على الدول التي تتحالف معها. روسيا ليست مُهتمّة باستعمار أحد عسكرياَ أو اقتصادياً أو ثقافياً أو أيديولوجياً. لكنها ترى أن التجبُّر الأميركي في العالم قد اجتاز كل الحدود، وأن أميركا دولة صِلفة ولها أطماع في ثروات العالم وهي لا تتورّع عن إنزال العقوبات على الدول وعلى الشعوب. لقد أذلّ الأميركيون العديد من الأمم، وتغطرسوا بلا أدب على المستوى العالمي. كل هذا بسبب مدّ أذرُع أميركا في كل اتجاه على اعتبار أنها الدولة القُطب الوحيد في العالم. روسيا تقول كفى لاحتكار القوة، وكفى للهيمنة والظُلم والاستعباد، وإن مرحلة القُطب الواحد يجب أن تنتهي.
شاركه على جوجل بلس

عن الكاتب مجلة منبر الفكر

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيس بوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق